الراغب الأصفهاني
645
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
وقال بزرجمهر : السعيد يتبع الرزق ، والشقي يتبع مسقط الرأس ، أخذه من قال : ذو اللبّ تنزع للرفاعة نفسه * وترى الشقيّ نزوعه للموطن « 1 » وقال المتنبّي : وما بلد الإنسان غير الموافق * ولا أهله الأدنون غير الأصادق قال أبو نواس : دخلت دار السلطان بمدينة السلام ، فرأيت أبا دلف الكرخي متعلقا ببعض ستائر الخاصة ، وهو يقول : طلب المعاش مفرّق * بين الأحبّة والوطن ومصير جلد الرجا * ل إلى الضّراعة والوهن حتّى يقاد كما يقا * د النضو في ثني الرسن ثم المنية بعده * فكأنّه ما لم يكن فقلت : أيها الأمير لو صرت إلى حجرتي ، لأنشدتك بيتين يسليانك فجاء معي فأكل وشرب وقال : هات ما عندك فأنشدته : إذا كنت في أرض عزيزا وإن نأت * فلا تكثرنّ منها نزاعا إلى الوطن فما هي إلا بلدة بعد بلدة * وخيرها ما كان عونا على الزمن فسرّي عنه وحباني مالا جمّا . إيثار العسر في الوطن على اليسر في الغربة قيل : عسرك في وطنك أطيب من يسرك في غربتك . وقيل : إذا وجدت بعض القوت فالزم قعر البيوت . وقيل : احفظ بلدا ربّاك . وقيل : بلد أغذيت فيه السلامة فلا تزايله « 2 » وقال : وإن اغترابي كي أنال معيشة * وفضل غنى للوارثين خسار ذمّ الخروج عن الوطن قيل الغربة ذلّة وكربة . وقد قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : من رضي بالذل فليس منّا . وقيل السفر سقر ، ولكن غلط باسمه . وقيل السفر شعبة من جهنم ، ولذلك قيل : لولا فرحة الأوبة لعذبت بالسفر . وقال التنوخي : مسير دعاه الناس سيرا توسّعا * ومعنى اسمه إن حقّقوه إسار
--> ( 1 ) تنزع نفسه : تحنّ وتشتاق . ( 2 ) لا تزايله : لا تفارقه ولا تتركه إلى سواه .